في مستهل حلقات برنامجه الرمضاني «رؤساء التحرير» على إذاعة نجوم إف إم، قدّم الكاتب والإعلامي إبراهيم عيسى قراءة موسّعة في سيرة رفاعة الطهطاوي، بوصفه أحد أعمدة النهضة الفكرية، وأول رئيس تحرير حقيقي في تاريخ الصحافة المصرية.
ويُذاع البرنامج يوميًا خلال شهر رمضان من الساعة 5:10 إلى 5:15 مساءً، حيث يسلّط إبراهيم عيسى الضوء على ثلاثين شخصية صحفية تركت بصمة مؤثرة في تشكيل الوعي العام، وأسهمت مهنيًا وفكريًا في ترسيخ قيم الثقافة والمعرفة، وصناعة خطاب صحفي امتد أثره عبر الأجيال.
بعثة تعليمية إلى فرنسا ونخلة التنوير
وأوضح إبراهيم عيسى أن رفاعة الطهطاوي وُلد عام 1801، وتلقى تعليمه على يد الشيخ حسن العطار، الذي رشّحه إلى محمد علي باشا ليكون إمامًا وواعظًا للبعثة التعليمية الأولى التي أُرسلت إلى فرنسا عام 1826.
وأضاف أن الطهطاوي سافر مع البعثة بصفته شابًا متمكنًا ومثقفًا، ليحافظ على الهوية الدينية والثقافية للطلاب، واستمر في باريس لمدة خمس سنوات، شهدت تشكّل وعيه الفكري وانفتاحه على مفاهيم الدولة الحديثة.
وأشار عيسى إلى لحظة رمزية مؤثرة في بداية الرحلة، قائلًا:
«أول ما نزل رفاعة الطهطاوي في مارسيليا، وجد نخلة، مشهد بسيط لكنه كان محوريا، لأن النخلة بالنسبة له رمز الشرق والإسلام، ووجودها في مدينة أوروبية فتح له باب التساؤل وكانت النخلة بوابة التنوير.
«تخليص الإبريز»… نافذة على الغرب
وتابع عيسى أن الطهطاوي تعلّم اللغة الفرنسية، وعاد ليؤلف كتابه الأشهر تخليص الإبريز في تلخيص باريس، موضحًا أن «الإبريز» يعني أنقى ما في الذهب، وأن الكتاب مثّل نافذة واسعة على الحضارة الغربية.
وأشار إلى مقولته الشهيرة: «رأيت في الغرب إسلامًا بلا مسلمين، وأرى بين المسلمين مسلمين بلا إسلام»، لافتًا إلى أن الطهطاوي أسّس أول مشروع ثقافي منظم عبر مدرسة الألسن، وأسهم في الإشراف على ترجمة أكثر من ألف كتاب في مختلف العلوم.
أول رئيس تحرير
وأكد إبراهيم عيسى أن المحطة الأهم في مسيرة رفاعة الطهطاوي تمثلت في تولّيه رئاسة تحرير الوقائع المصرية، ليصبح بذلك أول رئيس تحرير بالمعنى المهني الحديث في تاريخ الصحافة المصرية.
وأوضح أن الجريدة كانت تُحرر باللغة التركية، فحوّلها الطهطاوي إلى العربية، وضخ فيها روحًا مصرية، وجعل محتواها مزيجًا من التعليم والأدب والثقافة ومقالات الرأي، ناقلًا إياها من مجرد صحيفة حكومية تنشر التقارير، إلى منبر صحفي مؤثر يلعب دورًا محوريًا في بناء الوعي العام.
جسر بين الشرق والغرب
واختتم عيسى حديثه بالتأكيد على أن الطهطاوي ترجم بنفسه أكثر من 25 كتابًا، إلى جانب إشرافه على ترجمة مئات غيرها، وأسهم في صناعة جيل من المفكرين التنويريين الذين نجحوا في بناء جسر معرفي بين الشرق والغرب.
وأضاف أن وعي المصريين بأهمية الدستور بدأ مع الطهطاوي، حين ترجم الدستور الفرنسي وقال بوضوح: «نحن في حاجة إلى مثل هذا الدستور»، ليضع بذلك أساسًا مبكرًا لفكرة الدولة الحديثة في مصر.
مواضيع ممكن تعجبك
أحدث الأخبار