تستمع الآن

المخرج نمير عبد المسيح لـ«نجوم إف.إم»: البحث عن وسيلة لاستحضار والدتي الراحلة هو ما خلق فيلم «البحث عن سهام»

الخميس - ٠٩ أبريل ٢٠٢٦

قصة عن الحب والاغتراب والأمومة والفقد وثقها المخرج نمير عبد المسيح على مدار سنوات بكاميرا الفنان الشغوف وقلب الابن المُحب، حتى خرج لنا فيلمه الوثائقي الطويل الثاني «الحياة بعد سهام»، «سهام» والدته التي فقدها هي وأبيه، ويحاول استحضارهما في فيلمه الجديد، أو كما قال إن البحث عن وسيلة لاستحضار والدته “سهام” هو ما خلق الفيلم.

بين مشاعر الابن ورؤية المخرج، حاولنا الاقتراب أكثر من رحلة صناعة فيلم «البحث عن سهام» الذي يعود للعرض في مصر بعد رحلة طويلة في عدد كبير من المهرجانات الدولية، وكأنه يُعيد والديه إلى وطنهما مصر الذي تركاه إلى فرنسا في سبعينيات القرن الماضي، فكان هذا الحوار مع المخرج نمير عبد المسيح، وإلى الحوار..

ما هي نقطة انطلاق شغفك بتوثيق تفاصيل حياتك؟ ومتى تحول هذا الشغف من مجرد هواية إلى مشروع سينمائي متكامل؟

اكتشفت هذا الشغف بمحض الصدفة حين استعرت كاميرا من أحد أصدقائي؛ بدأت حينها التصوير وأدركت أن الأمر يستهويني بشدة. في البداية، كان اهتمامي منصبًا على تصوير أصدقائي، ثم وجدت نفسي، دون تخطيط مسبق، أوثق لحظات عائلتي بكثافة. لم يكن الهدف حينها صناعة فيلم، بل كان دافعي هو الرغبة الملحة في استبقاء لحظات الحياة وتحويلها إلى ذكريات ملموسة.

كنت أشعر بما يشبه “الفيروس” الذي يدفعني للاختباء خلف العدسة؛ فالتصوير يمنحني شعورًا بالخفاء يتيح لي الذهاب إلى أي مكان. هذه الكاميرا منحتني الشجاعة لاختراق خجلي، فبينما كنت أتحرج من الحديث مع الغرباء في الشارع، كانت الكاميرا تمنحني القوة لإثبات وجودي في المكان. لاحقًا، تطور الأمر من مجرد توثيق عائلي إلى مشروع احترافي حين تلقيت دعمًا لإنتاج فيلم عن والدي، ومن هنا كانت نقطة التحول نحو صناعة أفلام عن العائلة، وهي الرحلة التي قادتني لفيلم “العذراء والأقباط وأنا”، وصولًا إلى “الحياة بعد سهام”. في الفيلم الأخير، واجهت التحدي الأصعب: كيف أصور أمي وهي غائبة؟ كيف أملأ فراغ الغرف والكراسي بعد رحيلها؟ هذا البحث عن وسيلة لاستحضار “سهام” هو ما خلق الفيلم.

خلال تسجيل مشاهد “الحياة بعد سهام”، مَن الذي كان يقود العمل: عاطفة الابن أم عين المخرج؟ وكيف فككت الاشتباك بينهما؟

في الواقع، المخرج هو من أنقذ الابن. لقد طغى حضور المخرج بداخلي؛ لأن “المخرج” يمتلك القدرة على تحييد المشاعر والنظر إليها كمادة فيلمية، مما خلق مسافة ضرورية بيني وبين الألم. صناعة الفيلم هي التي أتاحت لي لاحقًا اختبار مشاعر الابن التي لم أكن قادرًا على استيعابها أثناء التصوير. كانت الكاميرا بمثابة “علاج” وحصن يحميني من الوجع عبر خلق تلك المسافة مع الواقع القاسي.

استعنت بمشاهد من سينما يوسف شاهين؛ هل كانت تجربته في “سينما الذات” ملهمة لك في تقديم سيرتك الشخصية؟

نعم، كنت معجبًا بشجاعته الفائقة في وضع نفسه وتاريخه تحت الأضواء، وهو أمر ليس بالهين؛ فالمخرج عادة ما يفضل الاختباء خلف الكاميرا. شاهين لم يكتفِ بالظهور كممثل، بل كان يحكي عن نفسه وعلاقاته بأهله بصدق جارح. حتى في اختيار أدوار التمثيل، كما في “باب الحديد”، اختار شخصية مركبة وصعبة لا يجرؤ كثيرون على تقديمها. ما يلهمني ليس مجرد ظهور المخرج جسديًا في الكادر، بل شجاعته في وضع نفسه في منطقة “الخطر” والمكاشفة، معلنًا بوضوح: “أنا لا أصور الآخرين فحسب، بل أحكي شيئًا عن ذاتي”.

تمنيت في الفيلم “لو كانت الحياة فيلمًا نعيد تصويره”.. لو مُنحت هذه القدرة، ما هو المشهد الوحيد الذي تود تغييره في حياتك؟

هناك الكثير، ولكن غياب والدتي عن اللحظات المستقبلية لأبنائي هو أكثر ما يؤلمني. كنت أقول لها دائمًا أثناء مرضها: “انهضي يا أمي لتشاهدي الصغار وهم يكبرون”. رحلت وابنتي في الخامسة وابني في الثانية. يؤلمني أن ابنتي حين تبلغ الثامنة عشرة لن تجد جدتها معها في الاحتفال. هذا اللقاء، وتلك الاحتفالات العائلية الكبرى، ستظل مشاهد مؤجلة لن تحدث إلا في خيالي؛ سأظل أتساءل دومًا عن رد فعلها حين ترى ابنتي “ماتيلدا” وهي تكبر.

لو قُدر لوالدتك أن تشاهد الفيلم اليوم، ما هو التعليق الذي تتوقعه منها؟

لربما سألتني بعتابها المعهود: “لماذا تروي تفاصيل حياتنا؟ ومن الذي سمح لك بأن تحكي حكايتي للجميع؟”.

الفيلم يلخص رحلة دامت عشر سنوات في 80 دقيقة فقط.. كيف كان شعورك وأنت تشاهد عقدًا من عمرك يُختزل على الشاشة؟

لا تشغلني مدة الفيلم بقدر ما يشغلني أثره. هناك أفلام تعيش داخلنا طويلًا، وقد اخترت مشاهد بعينها لأبني حكاية تنقل إحساسًا محددًا للمشاهد. ما يمنحني الطاقة ليس طول مدة العمل، سواء استغرق عامين أو عشرة، بل هو أن يترك الفيلم بصمة في حياة الناس كما تركت أفلام أخرى أثرها في حياتي. الأهم من سرعة الإنجاز هو قوة التأثير.

حصد الفيلم جوائز دولية وعربية مرموقة، ما هي المحطة الأهم في رحلة التتويج هذه؟

الجائزة الكبرى بالنسبة لي كانت لحظة اكتمال الفيلم ذاته. تحقيق مشروع بهذا التعقيد استغرق سنوات كان بحد ذاته انتصارًا، وحين قلت للمونتير والمنتجة “هذه هي النسخة النهائية”، شعرت أنني حزت جوائز الدنيا كلها. أما الجائزة الكبرى الأخرى فهي عرضه جماهيريًا في دور السينما المصرية ووصوله للجمهور في وطني.

ما هي الرسالة أو الحالة الشعورية التي تأمل أن يخرج بها الجمهور بعد المشاهدة؟

ما لمسته من ردود الفعل كان مؤثرًا؛ فالبعض أبدى رغبة في مشاهدته مرارًا، وآخرون شكروني لأن الفيلم منحهم فرصة لرؤية مشاعر إنسانية نادرة نفتقدها. حتى أن أحد المخرجين الشباب قال لي إن الفيلم منحه الشجاعة لاستكمال مشروعه المتعثر منذ سنوات. الرسائل تختلف باختلاف تجربة كل مشاهد، لكن الأكيد أن الفيلم وجد طريقه إلى قلوب الناس.


الكلمات المتعلقة‎