تستمع الآن

الفكرة العبقرية التي نسج منها السيناريست محمود أبوزيد فيلم “الكيف”

الأحد - ١٨ مارس ٢٠١٨

ناقشت آية عبدالعاطي، عبر برنامج “فيلم السهرة”، يوم الأحد، على نجوم إف إم، فيلم “الكيف”، والذي عرض عام 1985، بطولة الفنان يحيى الفخراني ومحمود عبدالعزيز.

وقالت آية في مستهل الحلقة: “السؤال هو؟ هل الإنسان يقدر يعيش من غير كيف، مزاج، للأسف إن هذه الكلمات سيئة السمعة لأن بطبيعتنا بنأخد صور ذهنية من الأفلام من الحياة وجيراننا في المنطقة والمجتمع اللي ننتمي له، لكن في كلام بقى مظلوم مع النظرية دي زي الكيف أو المزاج أو بالمعنى الأكثر جمالا الشغف، الاستسلام لشيء ما حد الإدمان ممكن يتقال عنه شغف في كل الأشياء الإيجابية، يعني مدمن قرأة، مدمن شغل، مدمن رياضة، مدمن حاجات قديمة ومزادات، لكن حتى الحاجات الإيجابية دي لو زادت عن حدها تكون شغف خبيث مش حميد ممكن تقرأ كثيرا لحد ما تبقى مستهلك، تلعب رياضة لحد يجيلك انزلاق لكن في النهاية كل إنسان بيكون عنده مزاج تجاه حاجة معينة”.

وأضافت: “الخوف كل الخوف من السيطرة، التمكن، إنك تبقى أسير الكيف يمكن ده معنى أوسع كان بيقصده فيلم الكيف، اللى اتعمل سنة 1985 في إطار اللي اتعرف بعد كده باسم ثلاثية محمود أبوزيد وعلي عبدالخالق (العار- الكيف – جري الوحوش) وفيلمنا النهاردة الكيف”.

السيطرة

وأشارت آية: “فيلمنا النهاردة (الكيف) الموضوع لم يكن مجرد فكرة المخدرات والمكيفات، لأ هو كان بيتكلم بشكل أعمق عن (السيطرة) إزاي ممكن أي منتج سواء أكل، شرب، موسيقي، عادة، تتحول لكيف مع كثرة التعرض زي فكرة الزن على الودان”.

وكشفت: “السيناريست محمود أبوزيد وعلي عبدالخالق، وكان الاثنان (الكاتب والمخرج) صديقين وقد ضمتهما جلسة أصحاب اعتادا عليها كل فترة في أحد مقاهي المهندسين، وفي إحدى الجلسات دار الحوار عن الأغاني الهابطة التي انتشرت رغم خلوها إلا من الهزل والبذاءة، (كوز المحبة اتخرم، وايه الاستك ده، وقبلها بسنوات: الطشت قاللي يا حلوة ياللي قومي استحمي، هذه التي يدعي أصحابها إنها أغنيات، وأبدى أحد الجالسين دهشته من انتشار مثل هذه الأغنيات وتحقيقها أرقاما قياسية في التوزيع رغم اعترافه واعتراف الجميع بأنها كلمات تافهة ورخيصة ولا معنى يذكر لها، فلماذا تنجح وتنتشر؟ علق محمود أبوزيد قائلا ومجيبا: لأننا لم نعد نسمع غيرها في الـ 24 ساعة، والمثل يقول (الزن ع الودان أقوى من السحر) وعندما تتعود الأذن على الركيك من الكلمات والأصوات، يمكن بعد ذلك أن تستسيغها، ثم صمت للحظة وأضاف: وتدمنها”.

وأردفت: “والتقط المخرج علي عبدالخالق الكلمة الأخيرة (وتُدمنها) وقال لمحمود أبوزيد: فكرة عبقرية يا محمود، إن اعتادت العين على الزبالة، لو رأت بعد ذلك حدائق زهر تفوح منها أزكى الروائح لشعرت ربما باشمئزاز ولم تدرك قيمة الجمال لأنها تشبعت بالقبح لدرجة الإدمان! وكانت بحق فكرة عبقرية نسج منها محمود أبوزيد رؤية شديدة العمق والمعنى وقدم لنا مع علي عبدالخالق فيلم (الكيف) ومن خلاله نرى ترابطا وتداخلا رائعا بين لإدمان المخدرات وإدمان الفن الهابط أيا كانت نوعيته أغاني، أفلام، رسومات”.

قصة الفيلم

وعن قصة الفيلم، قالت: “الاسم جمال والشهرة مزاجنجي ومحمود عبدالعزيز في واحد من أهم أدواره على الشاشة، حاصل على ليسانس الحقوق لكنه فقط يعلق الشهادة على الحائط أو يدسها في درج المكتب، فوجودها مثل عدمه من وجهة نظره، مدمن مخدرات و(غاوي غنا)، فلماذا لا يركب هو الآخر هذه الموجة؟ صوته (وحش)؟ في المقابل، شقيقه صلاح دكتوراه في الكيمياء، اشتغل كثيرا كي يحقق لنفسه مكانة علمية يحترم من خلالها ذاته، حتى وإن افتقد هذا الاحترام في عيون الآخرين، مفلس؟.. نعم، عاجز عن سداد مصاريف مدرسة ابنه؟.. نعم، لكن العلم في حد ذاته قيمة ـ يحدث صلاح أخاه ـ وهو يستدين منه ليسدد أقساط المدرسة، ويعلق جمال الذي دعكته الحياة وعجنته فجعلته ربما أكثر واقعية منه: وهي القيمة مالهاش ثمن؟، بكالوريوس علوم وماجستير ودكتوراه وفي الآخر 200 جنيه في الشهر؟، وواحدة رقاصة تهز وسطها وصدرها نص ساعة (تنتع) فيها الشيء الفلاني اللي لو سعادتك اشتغلت بالدكتوراه بتاعتك بقية عمرك مش ح توصل لهزة وسط منها في ساعتين! كلام منطقي ويغيظ بحق، كان لا بد منه كي يمهد كاتب السيناريو للتحول الذي سيدركه أستاذ الكيمياء حين تجذبه اللعبة الشيطانية ويتورط فيها”.

وكانت البداية (حتة حشيش) وجدها مع أخيه فألقى بها في الحمام وصُعق عندما أخبره بانها بـ 200 جنيه.. يا نهار أسود – هكذا قال – حتة حشيش بـ 200 جنيه؟.. يعني راتبي في شهر؟ وسأله: معنى كده إن تجار المخدرات بيكسبوا الملايين.

يبيعوا لكم الوهم ويصبحوا مليونيرات على قفا المساطيل اللي زيكم. يرد أخوه: الوهم؟.. تقصد إيه؟ يقول صلاح: طبعا وهم.. مفيش حاجة اسمها الكيف، إحنا اللي عايزين (نتسطل) والاستعداد عندنا موجود.. ثم أعطاه قطعة طرية على انها حشيش وهي عبارة عن خلطة حنة مع لبان دكر وشوية بهارات.. يأخذها جمال ويبيعها لتاجر التجزئة بألف جنيه، ويفاجأ بهذا التاجر يطلب منه المزيد.. واللي تطلبه أنا حاضر. ويرجع إلى أخيه أستاذ الكيمياء ويعطيه 500 جنيه (النص بالنص)، ويكاد عقل الأستاذ يطير من الدهشة.. 500 جنيه في خلطة خادعة لم تكلفه إلا دقائق من وقته في معمله. وتبدأ اللعبة وتجر صاحبنا إلى أقصى مدى ليدرك بعد فوات الأوان أن هذه الخلطة هي أكبر غلطة في حياته.. التاجر يريد أكثر، والفلوس تتكدس عند الشقيقين، لكن ضمير أستاذ الكيمياء غير مرتاح.

ويُفاجأ الأستاذ بالحنة التي روجها على إنها حشيش تكتسح السوق ويكتشف أن التاجر الكبير الذي أصبح يورد له بالأطنان يخلطها بالماكس فورت أخطر أنواع المخدرات في العالم فيدرك في هذه اللحظة الحفرة التي انزلقت فيها قدماه ولا يملك منها خروجا.

يُجبره التاجر على المزيد من التوريد مقابل ملايين الجنيهات وعندما رفض وبصق في وجهه أعطاه هذا التاجر حقنة مخدرات كوكتيل ليكون تحت “جزمته” وطوع أمره. ويقع صلاح تحت قبضة تاجر المخدرات ويقع جمال تحت سطوة وشهوة الأغاني الفاسدة والشرائط، ويكتسح “يا حلو بانت لبتك” السوق.

الذوق العام

وكشفت آية: “في بداية الفيلم المخرج والمؤلف وضحوا لنا أن حالة التخدير مش شرط إطلاقا تكون بمخدر واضح.. الأغنية الهابطة الذوق المنعدم ممكن جدا يكون ليهم نفس الوقع والتأثير، على التتر كتب أغاني من تخريف محمود أبوزيد، ويبدأ الفيلم يمشي في خطين الشريط اللي مزاجنجي هيعبيه بصوته، والخلطة اللي بيعملها الدكتور صلاح، خطين أو نوعين من الكيف.

النهاية

وشددت آية عبدالعاطي: “مع النهاية تبدأ تتساءل هو مين الشرير ومين الطيب.. تتعاطف مع صلاح الكيميائي الراضي اللي راح في سكة عمره ما كان يتوقعها، ولا تخاف من البهظ بيه، الراجل السادي المرعب اللي خلاص مابقاش مكفيه الشغل القطاعي وطلب طن من الخلطة، البطل لن ينتصر ولا البوليس تدخل بالسرينة يقبض على البهظ ويلم رجالته.. لأن مش ده هدف الفيلم، ولكن هدفه إن الناس دي موجودة ومسيطرة زي ما الفن الهابط موجود ومسيطر.. والاتنين كيف،

البطلين عندنا واحد بقى مدمن واتجنن والثاني هيعيش ميت بالحياة.. وبنفس مشهد البداية بالظبط بيكون مشهد النهاية.

أحد الاشخاص العاديين يستقل “تاكسي” والسائق يدس في الكاسيت شريطا ينطلق منه صوت أجش، ويردد: الكيمي كيمي كو الكيمي كيمي كا، ينزعج الراكب من الصوت وما ينطلق منه من هزل لا معنى له، ويدور هذا الحوار بين الاثنين، السائق والزبون:

من فضلك وطي الكاسيت أو اطفيه.

السائق باستغراب شديد: ده مزاجنجي يا بيه.

مزاجنجي.. فيه مطرب في العالم اسمه مزاجنجي؟

أومال يا باشا، ده شريطه الجديد، ومكسر الدنيا.

وفيه حد يسمع اغنية اسمها الكيمي كيمي كو؟

السائق ولاتزال الدهشة تلف رأسه من اشمئزاز زبونه: أنا زي سيادتك بالضبط، أول ما سمعتها معجبتنيش، لكن لما ودني اخدت عليها “نخششت في نافوخي وكيفتني”!

حوار لم يستغرق دقيقة واحدة من عمر الفيلم لكنه لخص المعنى بأكمله.


الكلمات المتعلقة‎


مواضيع ممكن تعجبك