تستمع الآن

شاهد بالصور.. تطور صناعة “الأفيش” في مصر

الإثنين - ١٦ أكتوبر ٢٠١٧

على بعد خطوات قليلة من محطة مترو أنفاق “جمال عبدالناصر” وفي شارع 26 يوليو بمنطقة بولاق أبو العلا في وسط القاهرة، كان بإمكانك النظر لتجد أفيشًا لأحد الأفلام مرسومًا بطريقة بدائية وملطخًا بالألوان الزاهية، لتجد سينما “الكورسال” التي يطلق عليها البعض اسم “علي بابا”.

منذ أشهر قليلة، هدمت الحكومة سينما “الكورسال” آخر سينما ترسو موجودة في مصر، بعد صدور قرارا بإزالتها تمهيدًا لإقامة محطة مترو أنفاق في ذلك الشارع المكتظ بالباعة الجائلين، لتنتهي وتنقرض مهنة من أكثر المهن انتشارًا في العصر السابق وهي “رسم الأفيش”، الذي كانت تعتمد عليه السينما اعتمادًا كليًا لتحتفظ بطبيعتها وشخصيتها بعيدًا عن ضوضاء سينمات المولات التجارية.

وبالتزامن مع غياب سينما “الكورسال” والتي كانت تعرض أكثر من 3 أفلام في اليوم الواحد، ودع المصريون زمنًا كامل لا يمكن استيعابه إلا من خلال العودة إلى كتب التراث ومراجعة أحاديث المثقفين خاصة الذين انتموا للأحياء الفقيرة والشعبية، خاصة أن تلك السينمات كانت الباب الخفي في تكون إرثهم الثقافي والفني، كما اختفت تفاصيل إنسانية لصناعة انعدمت ومنها “صناعة الأفيش”.

عصر سينما الترسو في مصر انتهى بلا رجعة بعد انقراض تلك السينما وكان آخرها “علي بابا”، حيث كانت توجد “فاتن حمامة”، و”ألف ليلة”، وآخرون في المحافظات.

تكمن أهمية “الأفيش” كفكرة في نقل صورة واقعية من أبطال الأفلام إلى عقول المشاهدين، حيث اعتمد بعضها على الإثارة لجذب أكبر فئة من الجماهير خاصة الشباب، واتجه بعض الرسامين إلى إبراز مفاتن النجمات لاستقطاب العدد الأكبر.

ولا يعرف الكثيرون أن الفن نفسه مر بعدد من المراحل والمنعطفات المهمة منذ ظهوره وحتى اندثاره، خاصة أنها انقسمت إلى 4 أقسام، وفقًا لما كشف عنه كتاب: “فن الأفيش في السينما المصرية” للكاتب سامح فتحي عام 2014، والذي رصد مرحلة الأفيش منذ البداية.

وتطرق الكتاب إلى أن مرحلة الأفيش مرت بـ 4 مراحل مهمة ساهمت في ازدهاره وانتشاره لفترات امتدت لعقود، حيث تمثلت المرحلة الأولى في البداية أو النواة التي وضعت، ثم في المرحلة الثانية “التطور” من استخدام ألوان معينة إلى ألوان أكثر زهوًا، وفي المرحلة الثالثة كان “الازدهار”، والرابعة: “التكنولوجيا والتقنيات الحديثة”.

ماهو الأفيش؟

قبل الغوص في غمار هذا العالم، لا بد أن نعرف معنى الأفيش حيث إنه لوحة تستخدم بهدف الدعاية والتعريف بالفيلم.

ويتضمن الأفيش موجز لكل ما في داخل الفيلم من فكرته وأبطاله، ومخرجه ومؤلفه، حيث تتعدد أماكن نشر هذه الملصقات فبعضها يتم وضعه في الشوارع والسينمات ووسائل النقل.

وتخصص عدة جمعيات ومهرجانات فينة، جوائز مخصصة لرسامي هذه الأفيشات المتميزة والتي قد تكون بعضها سببًا من أسباب نجاح الفيلم.

تاريخ الأفيش

محافظة الإسكندرية شهدت على بداية هذا الفن، حيث استضاف مقهى يدعى “زواني” أول عرض سينمائي في مصر عام 1896، بعد شهر واحد فقط من انطلاق أول عرض في العالم عام 1895 في فرنسا.

واحتضنت المحافظة في ذلك الوقت أول مطبوعة سينمائية في مصر، وأطلق عليها في ذلك الوقت ” معرض السينما” والتي تعود إلى الناقد والمؤرخ السيد حسن جمعة، عام 1924، وبعد عامين فقط في القاهرة صدرت مجلة “نشرة أوليمبيا للسينما الفوتوغرافية” عام 1926.

ويعود بالفضل في دخول “صناعة الأفيش” إلى مصر، اليونانيين الذي نقلوا حرفتهم إلى الإسكندرية لتكون ملاصقة لفني الرسم والتصوير الفوتوغرافي، ويرى سامح فتحي أن الفضل في صناعة الأفيش وفنه يعود إلى الأجانب من الجنسية اليونانية، إضافة الى أن هؤلاء حملوا تلك الصناعة من بلادهم، وكانت لهم علاقة قوية بفني التصوير الفوتوغرافي والرسم، ومن هذا المنطلق بدأ هؤلاء الذين كانوا في البداية يتمركزون في الإسكندرية بمواكبة ذلك الفن الحديث.

أحمد فؤاد ومرسيل اليوناني وعبدالعزيز.. إذا كنت تبحث عن أصل المهنة فتش عن هذا الثلاثي الذي بدأ المهنة في أوائل الأربعينات وازدهروا في فترة الخمسينات والستينات.

ورسم الثلاثي، أفيشات أفلام: “أنا وأمي”، و”حب وحرمان”، و”قصر الشوق”، و”بلا عودة”، و”النظارة السوداء”، ولقاء في الغروب”، وهو الأمر الذي فتح بابًا نحو مهنة جديدة.

أنور علي

“الصنايعي”.. اللقب الذي أطلق على الفنان الراحل الذي رسم بريشته تاريخًا علق في أذهان الملايين، حيث احتل الفن مساحة كبيرة من حياته الشخصية حتى سحرته ريشته فأبدع فخلد.

ولأنور علي العديد من الأعمال الفنية، منها: “الناصر صلاح الدين، وجزيرة الشيطان، والحرافيش، والبيضة والحجر، والشيطانة التي أحبتني، وياعزيزي كلنا لصوص”.

ولد علي في القاهرة عام 1928، والتحق بمعهد “ليوناردو دافنشي” الذي يعد بمثابة كلية الفنون الجميلة، حيث أظهر تفوقًا خلال الدراسة بفضل موهبته الكبيرة، حيث تخرج عام1953، وسافر عقب ذلك إلى إيطاليا لاستكمال دراسته العليا.

“ناصر وش الخير”.. هذا هو ملخص حال الرسام الأشهر في تاريخ السينما، حيث كان أول فيلم رسمه هو “الناصر صلاح الدين” الذي يعد أول قطرة في سجلات أنور علي.

وعقب تصميمه لأول أفيش لفيلم الناصر للفنان الراحل أحمد مظهر، تهافت عليه العديد من المخرجين والمنتجين، حيث طالبوه برسم أفيشات الأفلام الخاصة بهم فقرر وقتها أن يحول حجرة واسعة في منزله إلى مرسم لتكون مصنعا لصناعة الأفيشات ورسمها.

مرتضى أنيس

رسم أكثر من 400 أفيش فيلم ثم اتخذ قرارًا مفاجئا بالاعتزال والبعد عن ذلك الوسط الذي انتشرت فيه المجاملات على حساب الموهبة، حيث كشف في تصريحات تليفزيونية عن سر حبه للرسومات والأفيشات.

“الإحساس اليدوي فيه روح لا تستطيع التكنولوجيا مجاراته”.. مقولة يؤمن بها الرسام والفنان التشكيلي أنيس، الذي يرى أن السينما هي القبلة التي أعادته للحياة مرة أخرى حتى جاءته الفرصة برسم أفيش فيلم (رجب فوق صفيع ساخن) للفنان عادل إمام، والذي فتح بابًا نحو العمل مع المخرج الكبير رأفت الميهي.

الميهي كان سببًا رئيسيًا في بزوغ نجم مرتضى حيث منحه الفرصة للانطلاق بفنه في السينما واجتياحها بـ 400 فيلم، حيث بدأ الأمر بطلب من المخرج لأنيس بالتفكير في فكرة جديدة خارج الصندوق لرسم أفيش فيلم للفنان محمود عبدالعزيز.

“معجون أسنان” كان وسيلة مرتضى لإبهار الميهي وفقًا لما قاله، حيث أشار إلى أن إعلان معجون أسنان كان بوابته لرسم أفيش فيلم “السادة الرجال”، مضيفًا: “عندما قابلت المخرج الكبير انبهر بالرسم حتى اتهمنى بأنني اقتبستها من فيلم أجنبي وما شابه”.

ويرى أنيس أنه على الرغم من التقدم والسرعة التي خلفتها التكنولوجيا حيث يستغرق تنفيذ الافيش فترة لا تزيد عن 20 دقيقة، إلا أن الرسم اليدوي الذي يستمر لمدة أسبوع كامل يتمتع بالروح.

حسن الثغر

أحد الرواد الأوائل في فن الأفيش حيث استعان به المنتجين في الستينات والسبعينات لرسم الدعاية للأفلام، حيث كشف نجله في تصريحات صحفية سابقة، عن حصول والده على السيناريو قبل الرسم حتى يصبح في أبهى صورة وتصميم ملصق مناسب.

وأشار إلى أن والده كان يحضر التصوير في بعض الأحيان حتى يستلهم فكرة الرسومات من وحي التصوير وفقًا لرؤية مخرج العمل، حيث أنشأ وكالة تدعى “الثغر”، تكفلت برسم أفيشات أفلام: “رصيف نمرة 5″، و”الستات مبيعرفوش يكدبوا”، و”سلامة”.

تخصص الثغر في رسم أفيشات سينما “الكورسال” التي تميزت عن سابقها بقلة الجودة مقارنة عن سابقتها من الأفلام القديمة.

مصطفى حسين

رسام الكاريكاتير الأشهر في مصر الذي كون مع الكاتب الصحفي الراحل أحمد رجب ثنائيًا كبيرًا استطاع أن يصل إلى قلوب البسطاء عبر رسوماته التي تناولت أحداثا يومية مقترنة بالشارع.

ولد الفنان الراحل في 1935 بمنطقة الحسين بوسط القاهرة، حيث التحق بمدرسة مدرسة الجمالية الابتدائية، واكتشفه مدرس الرسم آنذاك حيث اكتشف تميزه في الرسم عن بقية زملائه في الفصل الدراسي.

والتحق عقب ذلك بكلية الفنون الجميلة، ثم اختير للعمل في دار الهلال، ثم مجلة “الأثنين والدنيا”، مرورًا بجريدة المساء حتى انتهى به المطاف في جريدة الأخبار.

ونشرت إبداعاته الفنية في عدد من دول العالم، حيث وصف بأنه من أهم وأفضل رسامي الكاريكاتير في العالم، وحصل على عدة جوائز تقديرا لفنه، منها جائزة الدولة التقديرية عام 2003.

كان لأفيشات السينما حظًا من أن تخلدها أنامل الفنان الراحل، الذي شارك في العديد من الأعمال السينمائية، منها: “إلى المأذون يا حبيبي”، و”سوبر ماركت”، و”4/4/2″، و”شيلنى وشيلك”.

ومع الزحف المعماري في العاصمة تزامنًا مع هدم ماتبقى من سينمات الترسو، اتجه بعض الفنانين إلى أعمال أخرى لكنها ارتبطت بالفن أيضًا، فهم كالسمك يموتون إذا خرجوا بعيدًا عن المياه.

ولعل أشهر من سلك هذا الاتجاه، الصديقان: مجدي ويليم، وسامي حنس، حيث اتجها إلى رسم أيقونات الكنائس بعيدًا عن السينما، بينما اتجه صلاح الصياد الرسام الذي تولى سينما الكورسال في إحدى الفترات لرسم المناظر الطبيعية وبيعها.


الكلمات المتعلقة‎


مواضيع ممكن تعجبك